جاري تحميل آخر المقالات...

آخر المقالات

جاري تحميل المقالات...

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2026

عسيلة

يجري في الآونة الأخيرة جدلٌ طريف حول كائن خارق يُدعى عسيلة، ليس الجدل حول شجاعته المذهلة أو صلابته الخارقة، لا أبدا، فشجاعة عسيلة وصلابته ليستا محل خلاف، بل هي من المسلَّمات التي انعقد عليها إجماع الإنسان والحيوان، وإنما تتعلق المسألة بما إذا كانت شجاعته ضربا من ضروب الغباء الطبيعي الذي لا يعي الخطر، أم تجلياً
من تجليات الوعي الوجودي الذي يُحدّق في الموت دون أن يرمش له جفن.

وقد انقسم المتجادلون إلى فرقتين، فرقة قالت بأن عسيلة لا يعي الخطر كما يعيه بقية الأحياء من إنس وحيوان، وأن اقتحامه جحور الأفاعي ومهاجمته الأسود ليست نابعة من شجاعة خارقة، بل من جهله بالموت، وهو عند هؤلاء أقرب للطفل الذي يلعب بالنار لأنه لا يُدرك ماهيتها، لا للفيلسوف الذي يضع يده فيها ليفهم ماهية الألم.
أما الفرقة الثانية فقد وقفت على النقيض من الأولى، وقالت بأن عيسلة مدرك للموت تمام الإدراك، ولكنه بتجاوزه حدود الطبيعة قد قرر أن يتعايش مع الفناء وجها لوجه، وأنه بذلك يُجسد الوعي الميتافيزيقي الأول، حين تأمل أبيقور نفسه وقال: لماذا أخاف الموت؟ فطالما أنا موجود، فلا وجود للموت، وعندما يوجد الموت، لن أكون موجودًا، فلماذا أخاف من ذلك الذي لا وجود له عندما أكون موجوداً؟
وقد نُقل عن أحد مريدي الزاوية العُسيلية _وهو رجل عُرف بصفاء السريرة وقوة الملاحظة_ أنه رأى عسيلة يطيح بوحيد القرن، لا بدافع الجوع أو الإنتقام، بل لأنه أراد اختبار طبيعة القدر، وأضاف بعض المحدثين من المتصوفة الجدد أن هذا السلوك دليل حي على انفتاح الطبيعة على التجربة الصوفية، وأن عسيلة هو أول درويش في مملكة الحيوان يراقص الموت على منصة الحياة في حلقة ذكر أزلية لا يُدرك سرها إلا من شهدها.
لكن فريق الماديين التطوريين أنكروا هذه التأويلات وعدُّوها هراءً ماورائياً لا معنى له، مؤكدين أن سلوك #عسيلة ليس إلا نتاج تكوين عصبي بدائي يجعل الخطر حافزاً لا رادعاً، وقال أحدهم (ساخرا) بأن الإنسان نفسه لو خلا دماغه من الخوف لبات فيلسوفا بالفطرة.
See less

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق