قضية الدكتور محمد الفايد وما أُثير من جدل حولها، ليست مجرد زوبعة عابرة حول تأويل نص أو فهم تراث ديني، بل هي تجربة حية تفضح الهشاشة المعرفية التي نعاني منها، وتكشف بوضوح عن مأزق مزدوج: أزمة مفكر يفتقر إلى أبسط أدوات الحوار، وأزمة مؤسسة تقليدية تفتقر إلى شجاعة الاستماع بعقلها.
السؤال الحقيقي هنا ليس: هل الفايد مصيب أم مخطئ في تأويله للتراث الديني.
بل: كيف يدير المجتمع بأفراده ومؤسساته صدمات الاختلاف.
والمشكلة ليست في خروج رجل من تخصص التغذية ليخوض في الدين، بل المشكلة في طبيعة الخطاب الاقصائي الذي يتبناه لتمرير أفكاره، والمشكلة الأكبر تتجلى في طبيعة الخطاب الإستئصالي الذي يواجهه به خصومه، وقضية الدكتور الفايد ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.
لقد انقسم الناس إلى فريقين وخطابين، كلاهما يتبنى مغالطة الثنائيى الزائفة False Dilemma بحيث يضعونك أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أنك مع الفايد البطل التنويري الذي يواجه كهنوت العصور المظلمة وإما أنك مع خصومه حراس العقيدة والمدافعين عن الرسول (ص)، وهذا الاختزال يغتال العقل النقدي، فكلا المعسكرين يمارس ديكتاتورية مبطنة، وكلاهما يساهم في تسميم الفضاء العام وبناء جدران عازلة تمنع أي تراكم معرفي حقيقي.
وعند الالتفات لمنهج كل طرف نجد أن الفايد يمارس التجاوز المعرفي بالانتقال من سلطة تخصصية في مجال علمي محدد إلى ادعاء سلطة مطلقة في مجال واسع ومختلف تماما (الدين)، والاعتماد على التهجم والشخصنة والتسفيه في حق الأئمة والفقهاء بدل تفكيك حججهم، لقد اختار أسلوبا شعبويا يغازل الجماهير المستاءة من التراث مستخدما لغة التعالي واليقين المطلق، أسلوب يحول الفكرة من مشروع للنقاش إلى أداة للطعن.
الخطاب المتغطرس للفايد جعله يقع في نفس ما يتهم به خصومه، وهو ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة ورفض أي مساءلة نقدية لما يطرحه.
أما في الجهة المقابلة فقد ارتكب خصوم الفايد خطيئة معرفية وأخلاقية أشد فداحة، فبدل تفكيك ادعاءاته بهدوء علمي ورصانة منهجية، لجؤوا إلى أساليب الوصاية والاستئصال والتهديد المعنوي والجسدي.
ومعظم من يهاجم الفايد لم يقرأ له ولم يستمع إليه بتمحيص بحثا عن الفهم، بل قرأوا له واستمعوا إليه بنية الإدانة، معتمدين على مغالطات منطقية لدحضه وحرقه أمام الجماهير، فشوهوا أفكاره واجتزؤوا كلامه وقولوه حتى ما لم يقل.
هذا السلوك يكشف عن عقلية وصائية تؤمن بأن الأمة قاصرة تحتاج إلى حراس العقيدة، إذ _حسب رأيهم_ لا مجال لأي نقاش بين المسلم العادي و"عالم الدين"، لأن النقاش يفترض مسبقا الندية واحتمالية أن يكون أي طرف على صواب، وهم ينطلقون من يقين دوغمائي مغلق.
الفيلسوف جون ستيوارت ميل أكد أن قمع أي رأي هو بمثابة سرقة للبشرية، فإذا كان الرأي صائبا حُرمنا من الحقيقة، وإذا كان خاطئا حُرمنا من فرصة تعزيز الحقيقة عبر اصطدامها بالخطأ.
وخصوم الفايد، برفضهم الحوار، لا يحمون الدين، بل يظهرونه بمظهر الكيان الهش الذي يرتعد من سؤال يطرحه باحث، وهذا أخطر على الدين من تأويلات الفايد نفسها.
قد يقول قائل بأن حرية التعبير لا تعني الفوضى المعرفية، والدين كأي علم له أصوله وقواعدة، فكما لا نسمح لمهندس بإجراء عملية جراحية باسم حرية التعبير، يجب ألا نسمح لمن لا يملك أدوات الإجتهاد الأصولي واللغوي أن يعبث بالمفاهيم الدينية التي بُني عليها تماسك المجتمع الإسلامي، وبالتالي فإن التدخل ليس قمعاً، بل هو حماية للأمن الروحي للمجتمع.
هذه الحجة تبدو متماسكة، لكنها تنهار عند التدقيق، فقياس الدين على الطب والهندسة قياس خاطئ، إذ الطب والهندسة علمان تطبيقيان ماديان خاصين قد يولِّد الخطأ فيهما الموت الفوري، بينما الدين نص موجه للبشرية جمعاء ومجال التأويل فيه مفتوح، أما إذا قبلنا بمبدأ احتكار التأويل لصالح فئة محددة فسنكون حينذاك بصدد التأسيس لكهنوت إسلامي لا يختلف عن سلطة الكنيسة في القرون الوسطة، وهو ما يتناقض مع روح النص الإسلامي نفسه.
أما حماية الأمن الروحي فلا تتم عبر مصادرة الأفكار، بل عبر تفكيكها علناً بحجج أقوى، الفكرة لا تفنى بالمنع، بل يحولها المنع إلى فكرة مضطهدة ويحيط صاحبها بهالة المظلومية.
الحل الوحيد أمام الفوضى المعرفية هو المزيد من الحوار والنقاش الصحي، وليس بناء السجون الفكرية.
فالمفارقة الكبرى لهذه الأزمة هي أن خصوم الفايد بهجومهم الإستئصالي عليه، قدموا له أكبر خدمة بحيث حولوه في نظر شريحة واسعة من الشباب إلى مضطهد لحرية الفكر، ومنحوا خطابه وزنا يتجاوز قيمته المعرفية الحقيقية، بينما في المقابل يرفع الفايد شعار التنوير والعقلانية ويتصرف بكهنوتية تنويرية لا تقبل النقد العكسي، لنكون أمام وجهين لعملة واحدة _عملة الإستبداد بالرأي_ وجه عليه صورة الفايد ووجه عليه صورة خصومه.
وفي الأخير، نحن ملزمون بالدفاع بشراسة عن حق محمد الفايد، وحق أي شخص في التفكير والتعبير والتأويل، بل وحتى حقه الكامل في أن يكون مخطئا وساذجا في استنتاجاته، حرية التعبير لا تُمنح فقط للأفكار المهذبة التي توافق مزاج الأغلبية، بل صُممت خصيصا لحماية الأفكار المزعجة والمستفزة.
لكن، حماية حق الفايد في الكلام لا تعني أبدا منحه حصانة ضد النقد، فطريقته الهجومية وتعاليه الاستعراضي واستخفافه بالمنهجيات يجب أن يُنتقد.
أما خصومه الذين يطالبون بإسكاته أو محاكمته، فهم يمثلون الخطر الأكبر على مستقبل العقل في هذا البلد، فمن لا يملك القدرة على قراءة خصمه بإنصاف، ومن لا يملك سعة الصدر لهزيمة الفكرة بالفكرة، يثبت أنه لا يدافع عن الحقيقة، بل يدافع عن سلطته ومصالحه الرمزية فقط.
إن مجتمعا لا يتحمل قلق الأسئلة المزعجة، ويسارع إلى طلب المشانق الفكرية عند أول خلاف، هو مجتمع حُكم عليه بالجمود، ولن ينتج تنويرا ولا أصالة، بل سينتج فقط مزيدا من القطعان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق